بدأت مشواري داخل قشور من عطور .. داخل أغشية حميمة، دافئة، رطبة من العبق. لا أذكر لحظة مرت بي دون أن تكون مغلفة بالعبير.
غير صحيح أننا نعتاد رائحة ما فلا يعود لها أثر علينا، فكلما ظننت أني اعتدت أريج الفتنة، أجده يداهمني بروعته كل غروب. وأكيد أن الأمر نفسه يحدث بالنسبة لعطري أنا.
عطري لا يحكمه قانون. لا يعرف الخوف. لا يعرف الموت. تستثيره الأمطار، والمخيلات، والذكريات. فأنا إن شممتني، أعشش داخل دهاليز ذاكرتك .. أبني أساطير، أبني قصور، أبني معابد .. لا تتركك أبداً.لا أفعل ذلك عن قصد، عطري يقودني للسيطرة على هذه الحاسة شديدة الحساسية. فهو يعطي أبعاد خرافية، لذكرى جميلة، تزيدها ألماً ممتعاً، ويضفي جمالاً مميزاً، على ذكرى أليمة، فيسهل تحملها. عطري يعطي للحياة ملامح، وحدود حادة مخادعة .. يخدعك، وتريد له أن يخدعك .. كحلم تعتقده واقع، أو واقع تظنه حلم، ويجعل الحياة تحوى كالحية .. تتجمع .. تلتوي .. وتحيك قصصاً يحيا في ثنياها الطيب.
كل جمالي يقطن داخل عبيري، وعبيري هو روحي. فأنا لم أحمل يوماً مواصفات جمالية قياسية، وهناك كثيرون أجمل مني. ولأني لم أكن أخشى عنفوان الحياة، لم أختبئ، ولم أتقوقع، فقد تسببت شقاوتي بتمزق بعض أوراقي.
لم يعنيني هذا كله، فأنا لم أرد التحجب عن أشعة الشمس، ولم أخش التمايل تحت موسيقى الأمطار.. ولأني كنت أؤمن بأن انعدام الكمال، هو الجمال، ويضفي علي ميزة خاصة، تحمل بصمات شخصيتي.
… كما أن الطيور والفراشات لم تأت لزيارتي لأني جميلة، بل لأني عطرة.
* * *
لم أتخيل يوماً الاستمرار في مشوار حياتي دون عطر، ولم أتخيل أن تخطر ببالي هذه الفكرة أصلاً، لولا أني بدأت ألاحظ انخفاض نسبة الطيب في محيطي.
لم يعد يُصبح علي أريج الجردنيا بقوة وعنفوان، كما في السابق، والياسمين ازداد بيضاه، ولكن ..
أما الفتنة، التي أعشقها، بالكاد يصلني عبر الأثير، عبيرها.
وجدت نفسي الوحيدة بين بني جنسي التي بقيت كما هي، وربما كانت آثار حبي للحياة، هي التي أنقذتني. ولولا أني كنت أشتم عطري، لفقدت صوابي تماماً. فقد اربكني كثيراً هذا التغير الجذري في محيطي. شعرت كأن أحداً استأصل حاسة الشم لدي، وبأني سأنزف حتى الموت .. لم أستطع التمييز بين فقدان حاسة الشم، وبين فقدان ما يشم .. ولا أستطيع أن أقدر، أيهما الأسوأ ..
* * *
هل الأسوأ هو بقائي وحدي؟
فلأبقى وحدي. لا أريد أن أسلك هذا الطريق الشائك، ولا يهمني إرضاء أصحاب المزهريات .. فيوماً بعد يوم، كانت الزهور اليافعة من حولي، تخضع للدمج، والصياغة، وإعادة الصياغة من جديد، لكي تصل إلى تلك الحالة، التي يعتقد بأنها الوجه الوحيد، والمقياس الوحيد، للجمال، إلى أن أصبحت كلها تشبه بعضها البعض، مثل توأم مكون من آلاف الأشقاء .. أعترف بأنها جمعيها تفوقني جمالاً ..
فلأبقى وحدي، جمالها هذا لا أتمناه. جمالها ميت، يخلق، ليقطف، ليسجن داخل أدنى متطلبات الحياة، داخل إناء ميت .. لا يشعر بها، لا يشاركها شغف الحياة، لا يسمح لها بالنمو .. بتفتح أوراقها .. .. ولا تذكرها سوى خيوط العناكب.
يُمَلُّ من روعتها وكمالها في أيام .. تجف، فتهمل، فيقطف غيرها، فغيرها … دون الحاجة للتميز بينها، دون الحاجة للفرح بها، أو الحزن عليها .. إلى أن تتقلص حياتها المختصرة، بالمنفى .. بعيداً عن جذورها، بعيداً عن دفء شمسها، وتغريد عصافيرها .. وبعيداً عن طريق الفراشات، التي كانت ستكون معها علاقات حميمة، مرحة.
وحدي أعرف أن الفراشات لن تعد تقبلها، لأنها لا تستطيع أن تشارك وجدانها مع فتافيت، مع بقايا حياة .. عديمة الروح .. عديمة العطر ..
ولكني لا أعرف من غير الفراشات سيبكي أريجها المخطوف؟
فدوى القاسم

Leave a Reply