نشرت في أخبار الأدب
نعم، قتلت زوجي، أو عشيقي … حسبما تريدون. ضاجعته، ثم أكلته، فماذا أنتم فاعلون؟ أكلته وقذفت هيكله ليلتقطه قطيع من النمل.
ماذا كان سيفيدني ذلك العنكبوت الصغير! ذلك الأبله الذي خلق فقط ليمارس الجنس معي، ويقضي حياته في البحث عني، ثم أقضي على حياته بعدما يضاجعني!! ضحية هزيلة، أحادية الأبعاد، رديئة الأداء .. . لن ادعه يسيطر علي لمجرد أنه لمس جسدي. قد ظننه يومه المحظوظ، ومن أجل لحظات من المتعة، قفز في أحضان شباكي القاتلة. لم يستطع مقاومتي، مثلما لم يستطع مقاومتي غيره.
أكلته! وجبة صغيرة، بالكاد تلذذت عليها للحظات بقصر كذبة متعته هو. أعرف أنى لن أحتاجه أكثر من مرة واحدة، ذلك الضعيف، لأني أستطيع تخزين ما يلزمني طوال حياتي من حيواناته المنوية، من لقاء واحد مختصر، وإنتاج البيض، والإنجاب، دون أن يلمسني هو أو غيره مرة أخرى.
ولا حاجة لي بأن أتحرك من مكاني. تأتيني الحياة، وتلقى بنفسها عند أطرافي الطويلة، السوداء. أراقب وانتظر، وانتظاري دوماً لا يطول. فكل شيء يصلني في النهاية، أو ربما يصلني في البداية .. حتى طعامي يصلني بأقدامه، فأغمره بنعومة الحرير، ثم أقطر جوهره، كالذي يقطر العطور، استشفه، اشربه .. ثم القيه قشرة فارغة، ضائعة .. هشة كالحياة التي أنا محورها وتستخف بها الرياح ..
لا يغريني النهار، أحب الليل، استيقظ مع خروج أسراره الكحيلة. فللأسرار رائحة تستثيرها خيوط القمر السحرية .. وتضعها أيضاً تحت أطرافي، وتدخل في نسيج شبكة الصيد، التي أتسلى بإعادة غزلها عشوائياً، حسب مزاجي .. ثم أتدلى داخل خيوطي الحريرية رأسا على عقب .. أستشم .. استثير .. أترقب، أتفرج، فأرى الحياة بمنظور فريد، لا يفهمه سواي. يتضح أمامي كل مقلوب، وأشعر بأنني رجعت إلى الأساسيات حين تصبح أرضي سمائي، وسمائي أرضي .. وأشعر بأن كل شئ يتطاير نحو الأرض التي ولدته أصلاً.
كل شئ يسقط، يتراجع، يتفتت، يجف. الزهور تتخلى عنها الألوان، ويسقط شبابها سماءاً، أو يتطاير أرضاً، فأرى أطراف أوراقها تجف وتتلف، وأرى آثار تراكم الأيام، ويتآكل عطرها . الدود، الفراش، النحل، النمل … تلك الكائنات الصغيرة، تمشي، فتعتقد أن الأرض تهتز أثر خطواتها، أو أنها تطير فتهتز من بعدها الغيوم. إنها تتعب، تكدح، تجاهد، تجتهد، تثابر .. ولا خيار، لكنها بالنهاية مجرد فتات طعام بالنسبة لي، وهياكلها مجرد فتات أصغر من صغيرة تتجمع في وعاء أبدي، ربما يكون وعاء الخلود، أو وعاء النسيان.
لم أحاول يوماً الكف عن التفكير، أو المراقبة، فمنذ نعومة أطرافي الثمانية اكتشفت أن لا أحد راض عن حياته، واكتشفت أنني من خلال مراقبتي للباقي، راضية عن حياتي .. تلك الكائنات تحيا، ولا تعرف أنها تحيا .. أنا أراقب، وأعرف أني أراقب، فأحيا … ومن خلال مراقبتي أحيا أكثر من حياة واحدة، كالذي يقرأ كتاب ..
لا داعي لمجهود أكثر. لا داعي لخوض المعارك، وشق الطرق. لا داعي للأمل، ولا التشاؤم. لا يلزمني سوى البصر والصبر. هل أبدو شريرة؟ خبيثة؟ بالعكس، فأنا أكثر من يقدر الحياة، لأني أكثر من يجيد انتظار فرصة سلبها .. إلى أن يأتي الذي يسلبها مني.
لا أحتاج أحد، ربما لا يحتاجني أحد أيضاً.. ومن يحتاجه أحد؟ الحاجة تتغير، وكل حال يتبدل ويتغير .. نحن، المواسم، الأشجار، البشر .. أواكب حالي هذا بانتظار دوري، أكاد أشتم رائحة النهاية مع أولى خطوات البداية، مهما بدت بعيدة تلك النهاية. ولكني لا أعتقد أن نهايتنا هي نهاية قصتنا .. نختفي، لنخلى المكان لغيرنا، فيحل محلنا، تتلبسه أحوالنا، يبدأ بدايته حيث تركنا آثار نهايتنا .. ويعيد قصتنا ..
فدوى القاسم
أتعبتني علامات الاستفهام المتساقطة أرضاً بيننا، فلا تسألني .. وأنا سأسحق أسئلتي … وكم أرهقتني الإجابات، فلا تجيب حتى عيني إن غافلتني فسألتك.
ولا تضحك إن مازحتك، ولا تبتسم … لا تحادثني، وليتك، ليتك لا تلقي علي تحية جافة تجعلني أبوح لك فيما بعد “ليتك ما ألقيت…”.
دعك منه، ذلك الحزن في عيني، لا تخاطبه … فلا حل له لديك، ولا أنت خالقه.
ودعك منها، تلك الوحدة التي يشكو منها لساني … فشفتي تغلي شوقاً غصباً عنها وعنه.
“هل من داعي أن أقول … ؟” بحبك، اشتقت لك، أريدك .. ؟؟ لا، لا تسألني، ولا تقول …
ولا تخف علي، فقد بدأت أتعلم منك كيف أُنشئُ مئة مستودع، داخل عقلي (الذي طالما شكوت من صغره)، وفي منحنيات قلبي وبخار روحي، وفي ثنايا تفاصيل جسدي، وأن أخزن وأدخر وأوفر وأودع …
لكنني، يا حبيبي، غدوت أخشى مصير مستودعاتي من حجم إيداعاتي …
فدوى القاسم
أجاهد خلال أعوامي الأخيرة كي أظل أمام الناس كما يتصورن عني..ثقة بالنفس وجرأة واتزان..يا لكل هذا الغباء..هل ما زال أحد يتصور أنه متزن نفسياً؟
إن كان فى وسعك أن تحب ، ففى وسعك أن تفعل أى شىء.
هذا هو الخليج العربي إذاً، يا دفتري. استقبلنا على باب الطائرة، بحرارة شمسه الحارقة، ورطوبته الخانقة، وجيشه من العمال الهنود. مزيج غريب، من الصحراء التي تتخللها أشجار، وعمارات ضخمة زجاجية، زرعت غصباً عنها، جميعها “وافدة” .. مثلنا نحن، وافدون.ملفات، وأوراق، وتصديقات، وأختام، وتواقيع، ورسوم، وصور.. والمزيد من الصور. صوراً تكفي لعشرة ألبوماً على الأقل، حصلنا بعدها على الإقامة اللازمة “لنلزق محل ما نرزق”، كما كانت تقول جدتي!
ذهبنا إلى الخليج وليس بنيتنا “الالتزاق” كثيراً، ربما سنة أو سنتين، ووجدنا أن الجميع أيضا جاء لسنة أو سنتين، مر عليها عشرون سنة.
تذكرت ما روته لي جدتي عن الطبيخ الذي تركته على النار بمنزلها، “سنة النكبة”، وما بحوزتها سوى وعود كانت بمثابة عود الكبريت الذي اشتعل به مستقبلنا.
احترق الطبيخ، واحترق المنزل، وجدتي أحرقتها الغربة. توفت بدمشق، وهي تناهز التسعين، بأنفها رائحة طبيخ لم تأكله، وبيدها العرقة أوراق أذبلتها الذاكرة. توارثناها، وتوارثنا معها الذبول، وخيبة الأمل.
لاجئين بالوراثة نمضي، لا نعلق صورنا على جدران الحائط.
وهاأنذا أجد نفسي مرة أخرى بصحبة صور الرؤساء، التي تغلف كل جدار. إما أن يأكل الجسد، أو أن تأكل الروح .. فتقبلي الصيام يا روحي.
فدوى
لازلت اشعر كأني أنظر عبر الحياة، كالذي ينظر عبر ثقوب خلقها الرصاص بجدار البيت. الفرق الآن هو أني لم أعد أريد الهروب، فأعتاد التعود. نعم أعتاد. أفهم معنى الغربة .. وأعتادها، وأعتاد المنفى. أعتاد ولا خيار. تبقى ندوب الجروح في روحي، ولكنها ندوب، لم تعد جروح. أعتاد أن تبقى “بقجتي” دوماً في حالة تأهب، لكني لم أعد أخشى حملها. ترعبني قدرة الإنسان على التأقلم، والتحمل .. ترعبني، لكني احترمها.
فدوى القاسم
Some nights, certain memories just make themselves so strongly present in the present. Like on my wedding day, when I saw my father’s tears for the first time ever.
Are men’s tears more precious because they are more rare?
(1)
لا يتركانني وشأني.
هكذا أبداً لست وحدي، دائماً هما معي.
إن حاولت أن أنسى، أتناسى، أنهما معي دوماً، فلا مجال، حركة بسيطة تجعلهما يختلجان، يهتزان، يرتعشان. وكلما تثاءب البدر، أشعر بهما يكبران، ينضجان، يؤلمانني قليلاً، تزداد حساسيتهما.
علاقتي بهما حائرة، حنونة، مجنونة، يداعبانني بوجودهما، بثقلهما، بإعاقتهما لحركتي.
نهداي وأنا.
(2)
تفتح وعيي وأنا أحلم بهما.
طفلة تتفرج على الناهدات صاحبات القمم العالية، الكبيرة، المتماسكة.
كنت أحلم بأن يصبح لدي ما لديهن، أن أستيقظ ذات صباح لأجد في المساحة ما بين عنقي وخصري جبلين صلبين، جميلين.
أحببت الالتصاق بأمي.
زيارات صباحية، تسوق، محلات الخياطة، القبوع في غرف تبديل الملابس، ابتداع طرق لاستراق نظرات فضولية. كم تحملت مللي لأبحث عنها، تلك التفاصيل.. ما رأيته كان قليلاً، لكنه كان جميلاً، كافياً ليغذي أمنيتي.
كانت النساء من حولي توصدن ستائر وأبواباً. تغلفن أجسادهن بمناشف، بحذر، بحياء، بخجل حتى من أنفسهن.
فهمت ذلك عندما كبرت، عندما بدأت تلالي الصغيرة بالظهور. كانت مجرد تورمات ضئيلة، لا يراهما سواي، ولا يميز تحولاتهما سواي. كان يزعجني جداً حجمهما الصغير جداً. ظننت أن هذا فقط نصيبي، هذه فقط حصتي، مجرد تلتين سخيفتين، وأنا كنت أريد الانضمام إلى النساء.
(3)
لا أدرك حتى الآن أين اختفت تلك اللحظة الفاصلة؟ متى استيقظت من النوم جسداً ينضح بالأنوثة، وروحاً تنضح بالطفولة؟
صحوت ونهداي قد تفجرا دون إذن مني.
أصبحا أول من يستقبل دفء الشمس صباحاً، وآخر قمم تنزلق عنها قطرات الندى مساء.
تحديا قمصاني، فساتيني، سريري، مرآتي.
خيالهما في الأيام المشمسة الكثيرة كان يفضح سري عندما ينسكب على جدار أو أرض، أو على عابر سبيل يمر بقربي.
اقتحما المساحات أمامي، يسبقانني أينما ذهبت. لا يقف في طريقهما شيء. يجرانني خلفهما. ينطلقا أبداً إلى السماء، مندفعان إلى الأمام كدعوة، عنواناً صريحاً، متمرداً، صارخاً لأنوثتي.
يلفتا الأنظار رغماً عني.
يتحاورا مع من أمامي، رغماً عني.
يثيرا الغيرة، الحقد، الشهوة. أحياناً الاشمئزاز.
أصبح زر مفتوح يسبب احمرار واحتقان وجوه، نساءً ورجالاً، وزر مغلق يحدث حالة ترقب، تأمل، انتظار.
(4)
نهداي أصبحا يفتحان أبواباً، يحطمان حواجز، يبنيان جسور، يختصران طرقاً، مجهوداً، وقتاً.. حتى تم اختصاري أنا لرطلين من لحم نافرين.
لم تعد هناك حاجة لأكون.
نسي كثيرون اسمي، وكثيرون لم يتعرفوا على اسمي أصلاً. ويهجم السؤال عند ذكري: هل هي تلك كبيرة الثديين؟
ملامحي كافة اندثرت داخل ذلك المكان الدافئ بينهما، تلك الفجوة الضيقة، العميقة، بينهما…
كافية كانت ليغض النظر عن نواقص، عن مسؤوليات، عن تقصير…
مسارات حياتي جميعها اكتظت بوجودهما، فما كنت أقوى على التنفس.
حتى قلبي، الذي كنت أرقب انفعالاته خلف بشرة رقيقة، شفافة، لم يعد ملكي. هو أيضاً قابع في ذلك المكان بينهما، لا أستطيع الوصول إليه إلا عبرهما. ينبض لأجلهما، ينبض خلفهما، فينبثق منهما ضوء ينادي للحياة، يقبلها – رغماً عني.
حاولت. حاولت أن استعيد نفسي منهما، أن التقطتها فأضعها أمامهما، قبلهما. حاولت أن أكون أنا أكبر منهما. فجرت قنابل بعقلي، بفكري، بلساني. تماديت، تمردت، بالغت، جننت… طالبت بالتركيز على حديثي، على آرائي، أو حتى على عيني، على شفتي، على شعري، خصري، سيقاني، يدي.. ناديت، رفعت صوتي… دوماً كان صوتهما أعلى.
تمنيت أن يغلبني أحدهم، أن يوبخني أحدهم، أن أثير غضب أحدهم. دوماً كان ثدياي كتاب غفراني من كل إثم.
(5)
ألا يقال أن اليد ستبوح يوماً بأسرارها؟ أما أنا، فثدياي يبوحان يومياً بأسرار الآخرين … بأصواتهم، بصلواتهم، بعجزهم، بحرمانهم، بكبتهم.
لحظة واحدة راودتني فيها فكرة تصغيرهما جراحياً، ولم أفعل لأنني، مثل الآخرين، أحبهما.
لأنني تمنيتهما، لأنهما ثدياي، لأنهما نهداي أنا، لأنهما مني، جزء من هويتي، ولم أقل من جمالي، إنما من شعوري بالجمال… أحبهما. أليس ظلماً أن تهزمهما هزيمة الآخرين؟
لن أخفيهما تحت مواعظ، وعبارات العيب، وأمتار وفيرة من قماش أسود سميك.
لن أعتذر عن وجودهما، عن بروزهما.
لن أعتذر عما أنفقته من دعاء للحصول عليهما.
لن أعتذر عن حقي كأنثى بأن أحلم بأنوثتي .. خاصة بعد أن قبلهما حبيبي، فوصل عبرهما إلى أعماق، أعماق تلك الفتاة الصغيرة التي هي أنا.
قبلهما وقال لي: “إنهما رائعان. أشعر أنهما شعاران لك، يرفرفان ليعلنا للملأ بياناً للجمال. أنهما انتصار لكل أنوثة الشرق!”
فدوى القاسم
(3)
لا أدرك حتى الآن أين اختفت تلك اللحظة الفاصلة؟ متى استيقظت من النوم جسداً ينضح بالأنوثة، وروحاً تنضح بالطفولة؟
صحوت ونهداي قد تفجرا دون إذن مني.
أصبحا أول من يستقبل دفء الشمس صباحاً، وآخر قمم تنزلق عنها قطرات الندى مساء.
تحديا قمصاني، فساتيني، سريري، مرآتي.
خيالهما في الأيام المشمسة الكثيرة كان يفضح سري عندما ينسكب على جدار أو أرض، أو على عابر سبيل يمر بقربي.
اقتحما المساحات أمامي، يسبقانني أينما ذهبت. لا يقف في طريقهما شيء. يجرانني خلفهما. ينطلقا أبداً إلى السماء، مندفعان إلى الأمام كدعوة، عنواناً صريحاً، متمرداً، صارخاً لأنوثتي.
يلفتا الأنظار رغماً عني.
يتحاورا مع من أمامي، رغماً عني.
يثيرا الغيرة، الحقد، الشهوة. أحياناً الاشمئزاز.
أصبح زر مفتوح يسبب احمرار واحتقان وجوه، نساءً ورجالاً، وزر مغلق يحدث حالة ترقب، تأمل، انتظار.
(4)
نهداي أصبحا يفتحان أبواباً، يحطمان حواجز، يبنيان جسور، يختصران طرقاً، مجهوداً، وقتاً.. حتى تم اختصاري أنا لرطلين من لحم نافرين.
لم تعد هناك حاجة لأكون.
نسي كثيرون اسمي، وكثيرون لم يتعرفوا على اسمي أصلاً. ويهجم السؤال عند ذكري: هل هي تلك كبيرة الثديين؟
ملامحي كافة اندثرت داخل ذلك المكان الدافئ بينهما، تلك الفجوة الضيقة، العميقة، بينهما…
كافية كانت ليغض النظر عن نواقص، عن مسؤوليات، عن تقصير…
مسارات حياتي جميعها اكتظت بوجودهما، فما كنت أقوى على التنفس.
حتى قلبي، الذي كنت أرقب انفعالاته خلف بشرة رقيقة، شفافة، لم يعد ملكي. هو أيضاً قابع في ذلك المكان بينهما، لا أستطيع الوصول إليه إلا عبرهما. ينبض لأجلهما، ينبض خلفهما، فينبثق منهما ضوء ينادي للحياة، يقبلها – رغماً عني.
حاولت. حاولت أن استعيد نفسي منهما، أن التقطتها فأضعها أمامهما، قبلهما. حاولت أن أكون أنا أكبر منهما. فجرت قنابل بعقلي، بفكري، بلساني. تماديت، تمردت، بالغت، جننت… طالبت بالتركيز على حديثي، على آرائي، أو حتى على عيني، على شفتي، على شعري، خصري، سيقاني، يدي.. ناديت، رفعت صوتي… دوماً كان صوتهما أعلى.
تمنيت أن يغلبني أحدهم، أن يوبخني أحدهم، أن أثير غضب أحدهم. دوماً كان ثدياي كتاب غفراني من كل إثم.
(5)
ألا يقال أن اليد ستبوح يوماً بأسرارها؟ أما أنا، فثدياي يبوحان يومياً بأسرار الآخرين … بأصواتهم، بصلواتهم، بعجزهم، بحرمانهم، بكبتهم.
لحظة واحدة راودتني فيها فكرة تصغيرهما جراحياً، ولم أفعل لأنني، مثل الآخرين، أحبهما.
لأنني تمنيتهما، لأنهما ثدياي، لأنهما نهداي أنا، لأنهما مني، جزء من هويتي، ولم أقل من جمالي، إنما من شعوري بالجمال… أحبهما. أليس ظلماً أن تهزمهما هزيمة الآخرين؟
لن أخفيهما تحت مواعظ، وعبارات العيب، وأمتار وفيرة من قماش أسود سميك.
لن أعتذر عن وجودهما، عن بروزهما.
لن أعتذر عما أنفقته من دعاء للحصول عليهما.
لن أعتذر عن حقي كأنثى بأن أحلم بأنوثتي .. خاصة بعد أن قبلهما حبيبي، فوصل عبرهما إلى أعماق، أعماق تلك الفتاة الصغيرة التي هي أنا.
قبلهما وقال لي: “إنهما رائعان. أشعر أنهما شعاران لك، يرفرفان ليعلنا للملأ بياناً للجمال. أنهما انتصار لكل أنوثة الشرق!”
فدوى القاسم
“القصة القصيرة جدا” وان كانت أحدث الأجناس الأدبية حيث تعود في نشأتها من حيث التأسيس والتجنيس إلى بداية النصف الثاني للقرن العشرين والى الكثير من الإرهاصات في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين غربيا وعربيا (كافكا) و(جبران خليل جبران)، ولكن جذورها تعود إلى أعماق تراثنا العربي المليء بالنصوص القصصية القصيرة كالطرائف والحكايات والأساطير والنكات والأجوبة المسكتة والأخبار والملح عامة والنوادر خاصة التي امتازت بتلخيص التجارب الإنسانية وتقطيرها ضمن موقف فكري في أسلوب يمتاز بالإيجاز والتركيز على حدث واحد وهو في حالة ذروته وتوهجه وتقديمه بالإيحاء والرمزية وليس بصورة صريحة ومباشرة ناهيك عن المفارقة وروح الفكاهة والسخرية والتأنيس والنهاية الذكية والتي تضطرك إلى الابتسامة والإيماءة بالرأس ومتابعة التأمل والتفكير والتأويل.
وقد قيل “الطرفة هي القليل الذي يحتوي الكثير” و”البلاغة هي الإيجاز”. أليست هذه من صفات “القصة القصيرة جدا” الحالية، أيضا؟
وحاليا، فالقصة القصيرة جدا هي ثمرة الظروف التي أصابت العالم العربي بعد هزيمة عام 1967 من صدمه أثرت في شخصية الإنسان العربي عامة والمثقف خاصة، ففقد الأديب ثقته بكثير من المسلمات والمعتقدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والنفسية والدينية وغيرها فبحث الأديب عن قالب/ جنس أدبي جديد يتفق وروح العصر ومتطلباته من سرعة وتركيز وكثافة وإيحاء كي يمارس فيه رفضه وغضبه وتمرده وثورته ويعلن فيه عن موقفه بحرية دون خوف ويضمن لأدبه القراءة وكانت القصة القصيرة جدا هي الشاهد والضمير لأنها الأكثر استجابة لظروف المرحلة ومناخها.
(جزء من المقالة بقلم محمد علي سعيد، المصدر: http://www.alhourriah.org/?page=ShowDetails&Id=389&table=lecture
تعريف القصة القصيرة جدا:
القصة القصيرة جدا جنس أدبي حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار. كما يتميز هذا الخطاب الفني الجديد بالتصوير البلاغي الذي يتجاوز السرد المباشر إلى ماهو بياني ومجازي ضمن بلاغة الانزياح والخرق الجمالي.
(فقرة من المقالة بقلم: جميل حمداوي، المصدر:الحوار المتمدن).
First defined by Edgar Allan Poe, in a review of Nathaniel Hawthorne’s Twice-Told Tales (1842), as a story that can be read at one sitting, and in which the incidents and details establish a single, preconceived effect. Short stories actually vary in length from very short to long. However, the limitation of length usually restricts the author’s focus to one incident in the life of one character.
Many attempts have been made to define the short story. But on a few points at least, the opinion of most critics is unanimous. This does not imply that the literary form of the American short story can be set up in a rigid way. It has undergone and will probably still undergo many changes as the literary taste and demands of the reading public also change in the course of time with new outlooks on life.
What are some of the elements that make up a good story?
a) A short story is a piece of prose fiction which can be read at a single sitting.
b) It ought to combine matter-of-fact description with poetic atmosphere.
c) It ought to present a unified impression of temper, tone, colour, and effect.
d) It mostly shows a decisive moment of life (which can entail a fatal blow).
e) There is often little action, hardly any character development, but we get a snapshot of life.
f) Its plot is not very complex (in contrast to the novel), but it creates a unified impression and leaves us with a vivid sensation rather than a number of remembered facts.
g) There is a close connection between the short story and the poem as there is both a unique union of idea and structure.
The short story is a piece of art that tries to give us a specified impression of the world we live in. It aims to produce a single narrative effect with the greatest economy of means and utmost emphasis.
A short story is fictional work of prose that is shorter in length than a novel. Edgar Allan Poe, in his essay “The Philosophy of Composition,” said that a short story should be read in one sitting, anywhere from a half hour to two hours. In contemporary fiction, a short story can range from 1,000 to 20,000 words.





Leave a passing comment »